سيد قطب
1899
في ظلال القرآن
وهو يشهد اللّه ربه على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم . ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوههم ؛ كيلا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره وخوفه أن يكون منهم ! وذلك كله مع عزة الإيمان واستعلائه . ومع ثقة الإيمان واطمئنانه ! وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قوما غلاظا شدادا حمقى . يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلا فيهذي ؛ ويروا في الدعوة إلى اللّه الواحد هذيانا من أثر المس ! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراة هذه الثقة ، فيسفه عقيدتهم ويقرعهم عليها ويؤنبهم ؛ ثم يهيج ضراوتهم بالتحدي . لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم ، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم . إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد . ولكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل والأسباب . . إنه الإيمان . والثقة . والاطمئنان . . الإيمان باللّه ، والثقة بوعده ، والاطمئنان إلى نصره . . الإيمان الذي يخالط القلب فإذا وعد اللّه بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة . لأنها ملء يديه ، وملء قلبه الذي بين جنبيه ، وليست وعدا للمستقبل في ضمير الغيب ، إنما هي حاضر واقع تتملاه العين والقلب . « قال : إني أشهد اللّه واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه » . اني أشهد اللّه على براءتي مما تشركون من دونه . واشهدوا أنتم شهادة تبرئني وتكون حجة عليكم : أنني عالنتكم بالبراءة مما تشركون من دون اللّه . ثم تجمعوا أنتم وهذه الآلهة التي تزعمون أن أحدها مسني بسوء . تجمعوا أنتم وهي - جميعا - ثم كيدوني بلا ريث ولا تمهل ، فما أباليكم جميعا ، ولا أخشاكم شيئا : « إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ » . . ومهما أنكرتم وكذبتم . فهذه الحقيقة قائمة . حقيقة ربوبية اللّه لي ولكم . فاللّه الواحد هو ربي وربكم ، لأنه رب الجميع بلا تعدد ولا مشاركة . . « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها » . . وهي صورة محسوسة للقهر والقدرة تصور القدرة آخذة بناصية كل دابة على هذه الأرض ، بما فيها الدواب من الناس . والناصية أعلى الجبهة . فهو القهر والغلبة والهيمنة ، في صورة حسية تناسب الموقف ، وتناسب غلظة القوم وشدتهم ، وتناسب صلابة أجسامهم وبنيتهم ، وتناسب غلظ حسهم ومشاعرهم . . وإلى جانبها تقرير استقامة السنة الإلهية في اتجاهها الذي لا يحيد : « إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . . فهي القوة والاستقامة والتصميم . وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . . إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي اللّه هود - عليه السلام - في نفسه من ربه . . إنه يجد هذه الحقيقة واضحة . . إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر : « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها » . . وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها ويقهرها بقوته قهرا . فما خوفه من هذه الدواب وما احتفاله بها ؛ وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ؟ وما بقاء فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ؟